الفيض الكاشاني

385

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

« أنّه سئل عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك ؟ فقال : من تحاكم إلى طاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتا وإن كان حقّه ثابتا ، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر اللَّه أن يكفر به ، قيل : كيف يصنعان ؟ قال : انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم اللَّه استخفّ وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على اللَّه وهو على حدّ الشرك باللَّه - الحديث - » ( 1 ) . قال أبو حامد : « وقد فهمت ممّا ذكرناه أنّه يقدّم على العبادات البدنيّة أمران : أحدهما العلم والآخر الرفق بالمسلمين لأنّ كلّ واحد من العلم وفعل المعروف عمل في نفسه وعبادة ويفضّل سائر العبادات بتعدّي فائدته وانتشار جدواه فكانا مقدّمين عليه . السادس الموحّد المستغرق بالواحد الصمد سبحانه الَّذي أصبح وهمومه همّ واحد ، فلا يحبّ إلا اللَّه ولا يخاف إلا منه ولا يتوقّع الرزق من غيره ولا ينظر في شيء إلا يرى اللَّه تعالى فيه ، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدّرجة لم يفتقر إلى توزيع الأوراد واختلافها بل كان ورده بعد المكتوبات واحدا وهو حضور القلب مع اللَّه في كلّ حال فلا يخطر بقلبهم أمر ، ولا يقرع سمعهم قارع ، ولا يلوح لأبصارهم لائح ، إلا كان لهم فيها عبرة وفكرة ومزيد فلا محرّك لهم ولا مسكَّن إلا اللَّه تعالى ، فهؤلاء جميع أحوالهم يصلح لأن يكون سببا لازديادهم ، فلا يتميّز عندهم عبادة عن عبادة وهم الَّذين فرّوا إلى اللَّه تعالى كما قال تعالى : « لعلَّكم تذكَّرون . ففرّوا إلى الله » ( 2 ) ومتحقّق فيهم قوله تعالى : « وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله - الآية - » ( 3 ) وإليه الإشارة بقوله تعالى : « إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سيهدين » ( 4 ) وهذه منتهى درجات الصدّيقين ولا وصول إليها إلا بعد ترتيب الأوراد والمواظبة عليها دهرا طويلا فلا ينبغي أن يغترّ المريد بما يسمعه من ذلك فيدّعيه

--> ( 1 ) الكافي ج 7 ص 412 تحت رقم 5 . ( 2 ) الذاريات : 49 و 50 . ( 3 ) الكهف : 16 . ( 4 ) الصافات : 99 .